الجاحظ

82

المحاسن والأضداد

وقال آخر : لا يعلم المرء ليلا ما يصبّحه * إلّا كواذب مما يخبر الفال والفال والزجر والكهان كلهم * مضللون ودون الغيب اقفال وضده ، حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج متصيدا ومعه عدي بن زيد العبادي « 1 » فمر بآرام - وهي القبور - فقال عدي : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه الآرام ؟ فقال : لا قال : إنها تقول : أيها الركب المخفون * على الأرض تمرّون لكما كنتم فكنا * وكما كنا تكونون فقال : أعد فأعادها فترك صيده ورجع كئيبا ، وخرج معه مرة أخرى فوقف على آرام بظهر الحيرة ، فقال عدي : أبيت اللعن ، أتدري ما تقول هذه الآرام قال : لا ، قال : إنها تقول : ربّ ركب قد أناخوا عندنا * يشربون الخمر بالماء الزلال ثم اضحوا عصف الدهر بهم * وكذاك الدهر حالا بعد حال فانصرف وترك صيده . قال : ولما خرج خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم ، وكان رجل منهم جالسا على شراب له وهو يغني بهذا البيت : ألا عللاني قبل جيش أبي بكر * لعل منايانا قريب وما ندري فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه ، فإذا رأسه في الجفنة التي كان يشرب منها . وهذا كقولهم : إن البلاء موكل بالمنطق

--> ( 1 ) عدي بن زيد العبادي شاعر جاهلي عاش في الحيرة واتصل بالنعمان بن المنذر ملك الحيرة ونادمه ومدحه . له شعر جيد في وصف الخمر .